لمحات من التاريخ


 إعــــرف عـــــــــدوك  . .

    الصهيونية حركة سياسية عنصرية متطرفة ترمي منذ بداياتها الأولى إلى اغتصاب دولة لليهود .. و منذ اللحظة الأولى كانت فلسطين في بؤرة اهتمام زعماء الصهيونية .. وقد اشتقت الصهيونية من " جبل صهيون " في القدس حيث كان زعماؤها يطمعون و لا يزالون في أن يشيدوا فيها هيكل سليمان ويقيموا في النهاية مملكة تكون القدس عاصمتها !!
   
والصهيونية ورم سرطاني ينتشر عبر
العالم كله كما كتب المؤرخ الفرنسي الشهير فانسنت مونتيه ، الذي كان بفلسطين في الأربعينيات من القرن الماضى ، و شهد بعينيه ما فعله الصهاينة فيها ، و أعد كتاباً ملأه بالوثائق والصور حول جرائم وأفعال الصهانية في فلسطين بعنوان " الصهيونية أكبر خطر يهدد السلام العالمي " . وكان فنسنت ضابطاً - آنذاك - ضمن بعثة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال العصابات الصهيونية لممثل الأمم المتحدة الكونت برنادوت .
و الصهيونية العالمية
جذور تاريخية فكرية وسياسية حملها زعماء صهاينة تأثروا بأجدادهم الذين كانت لهم نفس الأطماع في عصر ما قبل الميلاد .

    
فهاهو مثلاً
الحاخام الالماني زئيفي هيرش كاليشر الملقب بالذئب الصهيوني - أول من دعا إلى اغتصاب أرض فلسطين باستعمارها – ها هو في كتابه " البحث عن صهيون " الذي صدر عام  1862  يقول : " إن خلاص اليهود لن يتحقق على يد مسيح منتظر ، وإنما عن طريق استعمار فلسطين ، و اقترح على فرع عائلة روتشيلد اليهودية الثرية في باريس شراء فلسطين من حاكمها 
محمد علي !!
و شهدت الصهيونية
الحديثة كحركة عدة جولات كان أبرزها  تلك التي قادها تيودورهرتزل اليهودي النمساوي الذي تزعم قيادة اليهود إلى حكم العالم بدءاً بإقامة دولة لهم في فلسطين.

  
و نتناول هنا أبرز زعماء الحركة الصهيونية مثل يهود
الكلعي الذي ولد في البوسنة سنة 1798 والذي ركز على ضرورة وجود مستوطنات يهودية في فلسطين للخلاص من الاضطهاد والشتات على حد زعمه.‏ ، و تسفي كاليشر حاخام الطائفة اليهودية في مدينة تورين الألمانية الذي أنشأ عدداً من الجمعيات التي تدعم الاستيطان المبكر في فلسطين ، و موشي هس الألماني الذي طالب ببناء مستوطنات بين السويس والقدس ، و ليون بنسكر صاحب كتاب " التحرر الذاتي " ، و زئيف جابوتنسكي الروسي الذي اشتهر بميوله العنصرية والمتطرفة وهو صاحب نظرية الجدار الحديدي وهو الذي عارض مشروع تقسيم فلسطين واعتبرها يهودية من النهر إلى البحر ودعا إلى احتلال أراض سورية وأردنية لضمها إلى الكيان العنصري ، ثم أول شخصية صهيونية تحول هذه الأفكار العنصرية إلى برامج عملية وهو ثيودور هرتزل الذي ولد بالمجر سنة 1860 وكان أبوه يعمل بالنمسا ودعا إلى مؤتمر بازل سنة 1897 وانتخب رئيساً له ثم رئيساً للمنظمة الصهيونية حتى وفاته سنة 1904 وقد قام الصهاينة فيما بعد بنقل رفاته إلى فلسطين سنة 1949 بعد قيام الكيان بعام واحد.‏

   
و
مع هرتزل و رفاقه من منظرى و مفكري و منظمي الحركة الصهيونية أمثال يهودا الكلعي و تسفى هيرش كاليشر و ليون بينسكر ، زعماء صهاينة كانوا يمثلون رجال المال مثل لورد روتشيلد و موسى مونتفيوري الذين كان هدفهم الأسمى تمويل عملية إنشاء مستعمرات يهودية في فلسطين كخطوة أولى لامتلاك الأرض ثم إقامة دولة اليهود.

   
و بعد أكبر جريمة اغتصاب لوطن في التاريخ ، ظهر
جيل جديد من زعماء صهيون ، ممن حاولوا استكمال حلقات الحركة الصهيونية في الألفية الثالثة !!
و مع استعراض أبرز زعماء
صهيون ، سنتعرف أكثر على مفهوم الصهيونية وأيديولوجيتها وعن مؤتمر بازل واتجاهات وتيارات الفكر الصهيوني والموجات الاستيطانية الصهيونية في فلسطين والتحالف الاستراتيجي بينها وبين قوى الاستعمار وإصدار وعد بلفور المشؤوم وقيام إسرائيل .

  
كما نتناول أبرز زعماء صهيون الذين
تولوا السلطة في إسرائيل بعد قيامها و كانوا من أشد المغالين في الصهيونية و التطرف والعنصرية أمثال حاييم وايزمان ، الذي أصبح أول رئيس للكيان الإسرائيلي عام 1948 وكذلك موشيه شاريت ، و ناحوم جولدمان ، وليفي أشكول ، و ديفيد بن جوريون ، و  وجولدا مائير ، و موشي ديان ، و إسحق رابين ، ومناحيم بيجين ، وإسحق شامير ، وشيمون بيريز ، و أرييل شارون ،  وبنيامين نتنياهو ، و آخرون 


تيودور هرتزل ..أبو الصهيونية العالمية !!
يعتبر تيودور هرتزل هو الأب الروحي و المؤسس الأول للصهيونية العالمية كحركة سياسية استعمارية أسبغت على اليهود صفة القومية والانتماء العرقي ، ونادت بحل ما أسمته المشكلة اليهودية ، وعارضت اندماج اليهود في أوطانهم الأصلية ، ودفعتهم للهجرة إلى فلسطين زاعمة أن لهم فيها حقوقًا تاريخية ودينية . وتلاقت مطامع الصهيونية من خلال هرتزل بأهداف الاستعمار في إقامة دولة يهودية في فلسطين .
فقد بلور زعيم الصهيونية
الأول حركته الشيطانية في دعوة تبناها اليهود في الشتات مفادها  أنه يتعين على اليهود أن يشكلوا دولة يهودية خاصة بهم ، وأن يهودية هذه الدولة يجب ألا تعتمد على الجوانب الدينية أو الإخلاص لليهودية وفضائلها ، وإنما يجب أن تعتمد على الشكل القومي اليهودي .

  
وقد لقيت هذه الفكرة التفافًا
رهيباً حولها من قبل الجماعات اليهودية بعد بروز القيادة السياسية الكبرى للصهيونية ممثلة في تيودور هيرتزل .
وكان هيرتزل قد حدد أهداف الحركة
الصهيونية - آنذاك – بأنها : "  تحقيق ارتباط اليهود في أنحاء العالم ، وحيثما وجدوا، بأواصر قومية والتأكيد على أن تصبح فلسطين التاريخية وطنًا قوميًا لليهود أينما كانوا ".
وفي عام  1895، كتب هيرتزل، المؤسس
الحقيقي للصهيونية الحديثة ، والذي تحت قيادته تم عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل سنة 1897 كتابه الشهير الدولة اليهودية.
   
وفي هذا
الكتاب رفض هيرتزل فكرة ذوبان اليهود في ثقافات الدول التي يعيشون فيها، ودعا اليهود إلى أن يوحدوا جهودهم ويبنوا دولة خاصة بهم. وقد رأى أن المكان الأمثل لتحقيق هذا المشروع هو أرض فلسطين نظرًا للروابط الرئيسية لليهود بتلك الأرض حسب زعمه.
ومن أجل تحقيق الاستيلاء على فلسطين ،
اقترح هيرتزل تشكيل شركة يهودية تكون مسؤوليتها انتزاع أرض فلسطين، وأن هدف تشكيل هذه الشركة هو أن تمول شراء الأراضي الفلسطينية وتشرف على زراعة وتنمية تلك الأراضي. على أن تقوم الشركة أيضًا بإيضاح مزايا الاستراتيجية الصهيونية لقادة الدول الأوروبية للحصول على مباركتهم وتأييدهم لها. أما المبالغ اللازمة لدعم المشروع الصهيوني فسوف تأتي من اليهود الأثرياء المندمجين في مجتمعات أخرى والذين لا يرغبون في الهجرة إلى فلسطين.
اقترنت الحركة الصهيونية بهرتزل لأنه قرن أيديولوجيته بالمنظمة الصهيونية التي نشأت بعد المؤتمر الصهيوني العالمي الذي عقد في بازل من أعمال سويسرا في عام 1897.
واقترح هيرتزل أن يكون المهاجرون إلى فلسطين هم من اليهود الفقراء الذين لا شيء لديهم يهابون خسارته من جراء هجرتهم، وأن دور هؤلاء المستوطنين الأوائل يجب أن يكون زراعة الأرض وخلق مناخ يغري الآخرين من الطبقات الأخرى للاستيطان في فلسطين.
وقد تشكل البرنامج الصهيوني في المؤتمر الصهيوني
الذي عقد في بازل في عام 1897، وجاء في البرنامج مانصه: " إن غاية الصهيونية هي خلق وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام، أما وسائل تحقيق هذا الهدف فكانت العمل على استعمار فلسطين بواسطة العمال الزراعيين والحرفيين والتجار اليهود وفق أسس مناسبة، وتنظيم اليهودية العالمية وربطها بواسطة منظمات محلية ودولية تتلاءم مع القوانين المتبعة في كل بلد، وتقوية وتغذية الشعور والوعي القومي اليهودي، واتخاذ الخطوات التمهيدية للحصول على الموافقة الحكومية لتحقيق الاستراتيجية الصهيونية.
 
ولهذا اقترنت الحركة الصهيونية بهرتزل لأنه قرن أيديولوجيته بالمنظمة الصهيونية التي نشأت بعد المؤتمر الصهيوني العالمي الذي عقد في بازل من أعمال سويسرا في عام 1897.

و قد عقد
هرتزل هذا المؤتمر في الفترة ما بين بين 29-31 أغسطس عام 1897 في مدينة بازل السويسرية ، تحت إشرافه وبتنظيمه ، مكتسباً زخماً من جماهيريته في أوساط اليهود  كمنظر و مفكر وكاتب يرفع شعار " العودة إلى صهيون" .. وصهيون كما هو معروفٌ جبلٌ في مدينة القدس الفلسطينية  !!
وقد حضر
المؤتمر 204 مندوبين  يهود ، 117 منهم مثلوا جمعيات صهيونية مختلفة، وسبعون جاؤوا من روسيا وحدها. كما حضره مندوبون من الأميريكتين الشمالية والجنوبية والدول الاسكندنافية وبعض الأقطار العربية وبالأخص الجزائر. وكان مقرراً عقد المؤتمر في مدينة ميونيخ الألمانية، إلا أن الجالية اليهودية هناك عارضت ذلك لأسباب خاصة بها، الأمر الذي استوجب نقله إلى مدينة بازل السويسرية.
افتتح هرتزل المؤتمر الصهيوني الأول بخطابٍ
مقتَضبٍ أكد فيه أن الهدف من المؤتمر هو "وضع الحجر الأساسي للبيت الذي سيسكنه الشعب اليهودي في المستقبل"، وأعلن فيه " أن الصهيونية هي عودة إلى اليهودية قبل العودة إلى بلاد اليهود ".
    وحدد هرتزل في خطابه مضمون المؤتمر على أنه " الجمعية القومية اليهودية ".
و من المهم هنا أن
نقدم نص خطاب هرتزل الذي ألقاه فى المؤتمر الصهيونى الأول فى بازل بسويسرا يوم أغسطس سنة 1897 ، و الذي يعتبر تاريخياً ضربة البداية لتنفيذ مخطط اليهود الشيطاني لاغتصاب فلسطين ، و قيام الكيان الصهيوني ..
" .
وبعد إلقاء هرتزل خطابه ، و كذلك استعراض ما قدمه هو و مساعدوه من أوراق عمل ، أقر المؤتمر أهداف الصهيونية المعروفة منذ ذلك الوقت باسم 
" برنامج بازل " الذي حسم موقف الصهاينة من موقع دولتهم المزمع إنشاؤها.
وبرغم اقتصار
أبحاث المؤتمر على المناقشات والمداولات وعدم قطع التزام واضح من قبل هرتزل بقيام هذه الدولة " الوطن " في فلسطين بالتحديد، إلا أن المؤتمر مثل بدايةً حقيقيةً لمشروع الدولة الصهيونية، في ظل توفر العديد من الخيارات والأوطان بينها الأرجنتين وأوغندا. ومع ذلك فقد شكل المؤتمر الانطلاقة الأولى باتجاه فلسطين، خاصة وأن هرتزل كان قد فكر في مثل هذا قبل عامٍ من انعقاد المؤتمر كما ظهر جلياً في كتابه " الدولة اليهودية ".

  
المهتمون
بالشأنين اليهودي والصهيوني اعتبروا في حينه أن المؤتمر الصهيوني الأول شكل نقطة تحولٍ مهمةً في تاريخ الحركة الصهيونية، بعدما استطاع مؤسسوها جمع معظم صهاينة العالم تحت سقفٍ واحد ضمن إطار المنظمة الصهيونية العالمية التي تولت فيما بعد الإشراف على الأجهزة الصهيونية في العالم.
وكانت
إقامة المنظمة الصهيونية العالمية فاتحة عهدٍ جديدٍ من النشاط الصهيوني استهدف تحقيق مخططات الحركة، وفق ما ورد في " الموسوعة الفلسطينية ". وقد تفرع عن المؤتمر لجنة تنفيذية تكونت من 15 عضواً كانت بمثابة مجلس شورى وأخرى صُغرى تكونت من خمسة أعضاء كانت بمثابة حكومة .
وتم تأسيس
مكتبة مالية لجمع الاشتراكات الصهيونية السنوية من جميع اليهود في العالم، إلى جانب فتح المصرف اليهودي الاستعماري برأسمالٍ بلغ مليوني جنيه إسترليني. ووضع المؤتمر برنامجاً سارت عليه جميع المؤتمرات التي عُقدت بعد ذلك، كما ناقش تقارير مفصلةً حول أوضاع الجاليات اليهودية في العالم ومحاضر أخرى مفصلةً عن فلسطين والنشاط الاستيطاني فيها. ونصبَ المؤتمر تيودور هرتزل رئيساً له ورئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية .

     
بعد
المؤتمراندفع الصهاينة يتقدمهم هرتزل لتنفيذ برنامجهم ، أو مخططهم المجرم . وكان هيرتزل منذ بداية نشاطه قد اكتشف حقيقة أنه لابد لتنفيذ المخططات الصهيونية من الاعتماد على دولة إمبريالية كبيرة ، تقوم بتوفير الأرض للمستوطنين وحمايتهم من السكان الأصليين والدفاع عنهم في المحافل الدولية . لذا توجه هيرتزل إلى جميع الدول الكبرى ذات المصالح الإمبريالية في الشرق الأوسط ، ابتداء بالدولة العثمانية ومرورًا بفرنسا وألمانيا، وانتهاء بإنجلترا.

و أرسل هرتزل رسالة إلى السلطان 
عبد الحميد الثاني يعرض عليه قرضاً 
من اليهود يبلغ عشرين مليون جنيه إسترليني، مقابل تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومنح اليهود قطعة أرض يقيمون عليها حكماً ذاتياً. وفيما يلي نص الرسالة:
"
ترغب جماعتنا في عرض قرض متدرج من عشرين مليون
جنيه إسترليني يقوم على الضريبة التي يدفعها اليهود المستعمرون في فلسطين إلى جلالته، تبلغ هذه الضريبة التي تضمنها جماعتنا مائة ألف جنية إسترليني في السنة الأولى وتزداد إلى مليون جنيه إسترليني سنوياً.
ويتعلق هذا
النمو التدريجي في الضريبة بهجرة اليهود التدريجية إلى فلسطين. أما سير العمل فيتم وضعه في اجتماعات شخصية تعقد في القسطنطينية.

مقابل ذلك يهب جلالته الامتيازات التالية
:
   
الهجرة
اليهودية إلى فلسطين، التي لا نريدها غير محدودة فقط، بل تشجعها الحكومة السلطانية بكل وسيلة ممكنة. وتعطي المهاجرين اليهود الاستقلال الذاتي، المضمون في القانون الدولي، في الدستور والحكومة وإدارة العدل في الأرض التي تقرر لهم. (دولة شبه مستقلة في فلسطين).
ويجب أن يقرر في مفاوضات القسطنطينية، الشكل المفصل الذي ستمارس به حماية السلطات في فلسطين اليهودية وكيف سيحفظ اليهود أنفسهم النظام والقانون بواسطة قوات الأمن الخاصة بهم.
قد يأخذ الاتفاق الشكل التالي
:
   
يصدر جلالته دعوة كريمة
إلى اليهود للعودة إلى أرض آبائهم. سيكون لهذه الدعوة قوة القانون وتبلغ الدول بها مسبقاً " . . إلى هنا ينتهي نص الرسالة .
وقد رفض السلطان
عبد الحميد مطالب هرتزل. ومما ورد عنه في ذلك قوله :"إذ أن الإمبراطورية التركية ليست ملكا لي وإنما هى ملك للشعب التركي فليس لي والحال كذلك أن أهب أى جزء فيها .. فليحتفظ اليهود بملاينهم في جيوبهم .. فإذا قسمت الإمبراطورية يوما ما فقد يحصلون على فلسطين دون مقابل. ولكن التقسيم لن يتم إلا على أجسادنا."
   
و في ذلك العام أيضاً حض ثيودور هيرتزل الحكومة
البريطانية ، وبشكل خاص وزير المستعمرات جوزيف تشمبرلين ، على تأييد الاستيطان اليهودي في فلسطين . وخلال عامي 1915 و 1916، ضغط القادة الصهاينة وبخاصة حاييم وايزمان على الحكومة البريطانية للتصديق على فكرة قيام وطن يهودي في فلسطين .
وعلى الرغم من أن هيرتزل قد رأى أن فلسطين هي المكان المثالي لانشاء الدولة اليهودية بالنسبة للصهاينة ، إلا أنه في برنامجه الصهيوني لم يستثن إمكانية قيام الكيان اليهودي في الأرجنتين أو أوغندا أو قبرص أو سيناء بوصفها أماكن محتملة لتحقيق هذا المشروع. والحقيقة أن هذه المسألة لم تحسم من قبل الصهيونية إلا بعد وفاة هيرتزل، حيث اعتبر الصهاينة فلسطين المكان الوحيد المناسب لقيام الدولة اليهودية. وقد بين ناحوم جولدمان الهدف الحقيقي لاختيار فلسطين بقوله : "...لأن فلسطين هي ملتقى طرق أوروبا وآسيا وإفريقيا، ولأن فلسطين تشكل بالواقع نقطة الارتكاز الحقيقية لكل قوى العالم، ولأنها المركز الاستراتيجي للسيطرة على العالم".
وحين تبنت الصهيونية ادعاءاتها في فلسطين، كانت تحكم
من قبل الدولة العثمانية التي كانت ترفض بشكل قطعي قيام دولة يهودية على أرض فلسطين، ولذلك لم يكن ممكنًا أن يوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ قبل عام 1917، في نهاية الحرب العالمية الأولى، عندما هزمت بريطانيا وحلفاؤها الدولة العثمانية وهيمنت على فلسطين، عندها فقط تمكنت الحركة الصهيونية بعد ذلك من أن تندفع بفعالية باتجاه ادعاءاتها في الأرض المقدسة، وتنال دعم القوى الكبرى في محاولاتها لاغتصاب أرض فلسطين.
   
ولد
تيودور هرتزل عام 1860 لأب تاجر ثري . وكان يحمل ثلاثة أسماء ، أهمها اسمه الألماني " تيودور " ، وثانيها اسمه العبري " بنيامين زئيف " ، وثالثها اسمه المجري " تيفا دارا " .
التحق تيودور الصغير بمدرسة يهودية وعمره ست سنوات لمدة أربعة أعوام ، أنقطعت بعــدها علاقته بالتعليم اليهودي . ولذا ، لم يُقدَّر له أن يَدرُس العبرية ، بل لم يكن يعرف الأبجدية نفسها.
التحق
تيودور بعد ذلك بمدرسة ثانوية فنية ، ومنها التحق بالكلية الإنجيلية 1876 وعمره 15 سنة - أي أنه التحق بمدرسة مسيحية بروتستانتية، ولعله تَلقَّى تعليماً دينياً مسيحياً هناك - وأنهى دراسته عام 1878.
    وكانت
أسرة هرتزل مجرية النسب. إلا أنها، ضمن مجموعة من اليهود ، قاومت عملية صبغها بالصبغة المجرية ،  واحتفظت بولائها لألمانيا - مثل كثير من يهود المجر  ولذلك ، نزحت الأسرة إلى فيينا عام 1878. وكان عدد اليهود في فيينا - آنذاك -  " 1881 " لا يزيد على عشرة آلاف يهودي ، ولكن تَعثُّر التحديث في شرق أوربا أدَّى إلى دَفْع جحافل اليهود إلى وسط وغرب أوربا بحيث بلغ عددهم عام 1899 ما يزيد على 100 ألف ، أي أنهم زادوا عشرة أضعاف خلال أقل من عشرة أعوام .
التحق هرتزل بجامعة فيينا وحصل على دكتوراه في القانون الروماني عام 1884 . و قد زاول هرتزل مهنة المحاماة وعمل بالمحاماة ، و كانت في عصره من أرقى الوظائف والمهن ، ولكن هرتزل الطموح ظل يسعى للوصول إلى منصب قاض ، ولكنه فشل في ذلك !
وترك هرتزل عمل المحاماة ، وتوجه للبحث عن ذاته ومواهبه ، التي كان يجدها في مجال الفن والكتابة المسرحية ، فعمل صحفياً ومراسلاً للصفحة الأدبية في صحيفة " فيينا نيو فري بريسيه " في باريس بين عامي 1891حتى 1895 .
وقد نشر مقاله الأول في هذه الصحيفة بتاريخ 27 مايو 1891 وظل يعمل مراسلاً لهذه الجريدة حتى عام 1895 ، والتي كتب ونشر خلالها مئات المقالات والقصص القصيرة وعشرات المسرحيات.
ولما كانت هذه الجريدة النمساوية الأولى في صحافة العصر والصادرة باللغة الألمانية فقد إكتسب هرتزل شهرة خاصة عن طريقها ، كما إزدادت شهرته بإنتقاله إلى باريس العاصمة الفرنسية ، وعاصمة الثقافة الأوروبية والعالم الغربي ، ومركز التيارات الحضارية والتطورات السياسية المستجدة .
وهناك تكون الوعي السياسي لهرتزل ، وتنوعت معارفه وعلاقاته في أوساط المشاهير والسياسيين ، وخلال هذه الفترة وبتاريخ 8 نوفمبر 1895 ألف هرتزل العاشق للمسرح مسرحية " الجيتو الجديدة " ، والتي كانت تتحدث عن الأوضاع الإجتماعية للطبقة اليهودية العليا في فيينا بصفة خاصة ، وعن حالة الجماعات اليهودية التي تعيش بمعزل عن المجتمعات التي يعيشون فيها بشكل عام ، وذلك لما ينفرد به اليهود دون عن سائر الأمم الأخرى من عقيدة متوارثة تفرض عليهم حالة الانغلاق ، والعيش بمعزل عن باقي البشر كما في " الجيتو " ، الذي يصفه العديد من المفكرين بمثابة أحد مظاهر عنصرية اليهود واحتقارهم للشعوب والأقوام الأخرى ، وليس كما يحاول اليهود والصهاينة أن يجعلوه مظهراً من مظاهر الظلم والقهر الواقع عليهم من الآخرين فليس لأي شعب أو جماعة أي ذنب تجاه إعتبار اليهود أنفسهم شعب الله المختار والتي إنعكست واقعاً تجده واضحاً في شخصية اليهودي وبالتالي في شخصية تيودور هرتزل .

   
و
تعتبر شخصية هرتزل مثيرة للجدل فهو الشخص الذي تربى تربية خاصة وشكل تعليمه العلماني ركناً أساسياً في ثـقافته وتوجهاته الفلسفية ، حتى على مستوى فهمه للمسألة اليهودية التي اعتقد في وقت من الأوقات أن حلها يجب أن يأتى من خلال إندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون بها بل وعليهم أيضاً التخلي عن يهوديتهم ، بعد التحرر الكبيرالذي شهدته في الولايات الألمانية ، شهد نظام الجيتو في أوروبا بدايات إنفتاح اليهود ، و التخلي عن الانغلاق في الـ " جيتو " تلك البدايات التي شجعها هرتزل ورأى فيها حلاً حقيقياً للمسألة اليهودية ، و لكنه سرعان ما تراجع عنها وتحول للنقيض تماماً !!
فقد
راح يشجع اليهود على عدم الاندماج وأنه لابد لهم من البحث عن مكان يجتمع فيه اليهود كبقية شعوب العالم فيكون لهم الحق في إقامة دولتهم الخاصة بهم أسوةً ببقية شعوب العالم المسألة التي اعتبرت حجر الأساس للفكر الصهيوني الذي ابتدعه هرتزل الذي يقول إن تحوله هذا كان لأسباب عديدة لعل أبرزها قضية درايفوس التي تابعها هرتزل شخصياً ، بصفته صحفياً ، كان يغطي جلسات المحكمة ، وقام بنشر هذه القصة بعد عامين من وقوعها عام 1894.

  
وملخص
هذه القصة  أن عاملة نظافة تعمل في السفارة الألمانية في باريس قامت بتسليم محتويات سلة مهملات إلى نائب مدير المكتب الفرنسي لمكافحة التجسس واكتشف الأخير أنها احتوت على خمس وثائق كان رجل مجهول يرغب في بيعها للسفارة الألمانية ، وعند مقارنة الخطوط ثارت الشكوك بين أربعة أو خمسة ضباط ، ثم تمت المقارنة بين الخطوط فوجد أن خط أحدهم وهو الكابتن اليهودي"  ألفريد دريفوس " يماثل خط الوثيقة ، وبناء عليه تم القبض على دريفوس ، وتجريده من رتبته العسكرية وسجنه مدى الحياة.
ثم في عام 1896
سلمت سلة أخرى للمخابرات الفرنسية تحتوي وثائق مماثلة لتلك التي ادين بسببها درايفوس تدين متهماً آخر غيره ، فسلمت الدولة الفرنسية التحقيق إلى نفس الضابط ( نائب مدير المكتب الفرنسي الميجور هنري ) الذي بدأ يدافع عن خطته ويزيف الأدلة ضد درايفوس فانتقلت القضية للصحف وانقسم المجتمع الفرنسي الذي لم يكن مهتماً بالموضوع في البداية إلى تيارين .

وفي
عام 1898 ثبتت براءة درايفوس من التهمة لكن الجيش رفض الاعتراف بالحكم فأصدرت محكمة عسكرية ثانية حكماً على درايفوس بالسجن لعشرة أعوام ثم صدر بحقه عفو فأفرج عنه .

  
كان أهم ما أثر في نفس هرتزل في هذه القضية
هو ما حدث أثناء انعقاد الجلسات العلنية لمحاكمة درايفوس،  والتي استحوذت كما قلنا على الرأي العام الفرنسي حيث كان جمهور كبير يتابع هذه الجلسات بالحضور ومن خلال الصحف وكان هرتزل مهتماً بهذه القضية بصفته مراسلاً صحفياً مكلفاً بنقل ما يحصل فيها إلا أنه فوجئ بالكراهية والحقد الذي كان يعبر عنه الجمهور ضد درايفوس ومنه لكافة اليهود.
حيث كان هرتزل يستمع
في هذه الجلسات للشتائم القاسية والهتافات الصاخبة التي كان يرددها الجمهور في كافة الجلسات ، والمحاكم ضد اليهود عموماً ومنها ( الموت لليهود .. يهود جبناء .. يهودي قذر .. يهودي خائن(

   
المسألة التي
أزعجت هرتزل بشكل كبيراً جداً وفي الخامس من كانون الثاني 1895 وحينما أصدرت المحكمة قرارها بالسجن المؤبد ضد درايفوس الذي خرج من المحكمة في الطريق إلى السجن وبينما كان يمر من أمام الصحفيين كان بينهم هرتزل صرخ بأعلى صوته قائلاً عليكم أن تقولوا لفرنسا كلها أنني برئ ومظلوم . 

   جدير بالذكر ، بأن محاكمة درايفوس قد أعيدت مرتين حتى صدرت براءته نهائياً في العام 1906 وأعيد بعدها للخدمة في الجيش الفرنسي وتمت ترقيته إلى رتبة رائد ثم تدرج فأصبح من كبار الضباط الفرنسيين وشارك في الحرب العالمية الأولى وقد إلتقى مع هرتزل الذي يَعتبر قضية درايفوس أهم منعطف تاريخي في حياته إذ إنها فتحت عيون هرتزل على حقائق لم يكن يدركها من قبل.
إذ أنه كان مؤمناً بالإندماج وأن حل المسألة اليهودية لن تأتي إلا عن طريق إعتناق اليهود للمسيحية وقد صاغ فكرته هذه بطريقة أقرب للفن والمسرح منها إلى أي مجال آخر إذ تصور هرتزل أن يتم ذلك من خلال مسير جماعي لليهود في ساحة الفاتيكان وأمام البابا وقد خطط هرتزل لهذه المسألة حتى أدق تفاصيلها حتى بانت وكأنها مسرحية متكاملة لدرجة أن حاييم وايزمن أحد زعماء الصهيونية قد إعتبر هرتزل صاحب ميول كنسية.


 
المهم
أن هرتزل الذي يعتبر حادثة درايفوس كانت بمثابة نقطة التحول إذ شعر من خلالها بالعداء للسامية الذي لن يسمح لليهود بالإندماج في المجتمعات الأوربية وبالتالي لا بد من البحث عن حل للمسألة اليهودية.
وقد وجد
هرتزل أن هذا الحل يتمثل في إقامة دولة خاصة باليهود عبر عنها في  كتيب (الدولة اليهودية ) الذي أصدره في العام 1895 أي قبل المؤتمر الصهيوني الأول بعامين والذي أصبح فيما بعد بمثابة الدليل للحركة الصهيونية أو كما يصفه البعض بالتوراة الثانية، وأن هرتزل بمثابة النبي بالنسبة لليهود.
ويصف
هرتزل في مذكراته اليومية التي كتبها عن حياته الشخصية أنه حينما كتب كتاب الدولة اليهودية كان يكتب بشكل دائم وبدون توقف فيصف نفسه قائلاً كنت أكتب يومياً وأنا واقف وأنا نائم وأنا جالس وأنا أسير في الطريق والقطار أينما ذهبت أو توقفت كنت أكتب حتى انتهيت من كتابته ثم عرضه على أحد أصدقائه الذي عرضه على صديق آخر وهو  الدكتور  ( نورداو ) ليسمع رأيه وكان يعتقد بأنه سيتهمه بالجنون إلا أن صديقه نورداو آمن بما كتب هرتزل وشجعه على ذلك وقال له اعتبرني من الآن حليفك و داعماً لك في هذا المشروع وفي مطلع العام 1896 نشر هرتزل كتابه هذا والذي كانت فكرته الأساسية قائمة على أساس منح اليهود قطعة من الأرض تكفي ليقيم عليها اليهود دولتهم ويتكفل اليهود بالباقي ..
 وتكمن أهمية الكتاب فيما يلي:-
* إن الكتاب حول المسألة اليهودية من مسألة خاصة إلى قضية سياسية إهتمت بها دول العالم.
*
حول الكتاب قضية اليهود من جماعات منعزلة ومنطوية إلى قضية شعب كامل.
*
إعتبر الكتاب بمثابة دليل عملي للحركة الصهيونية التي تمكنت من تنفيذ المشروع بعد موت هرتزل بسنوات.

     سخر
هرتزل المرحلة الأخيرة من حياته في خدمة اليهود وفرض نفسه زعيماً لهم ، وقد حقق لذاته شهرة كبيرة استمرت حتى بعد موته.و لكن هرتزل نفسه يعتقد أنه قد فشل في تحقيق طموحه فكتب عن نفسه في مذكراته يقول "يحدث أحياناً للرجل الفذ أن يوزع نشاطه على عدة حقول، وإذ به لا يجد نفسه مشهوراً إلا في الحقل الذي لا يتلاءم مع أعماق شخصيته ... على سبيل المثال فأنا أجد نفسي في الحقل الذي لم أنجز فيه شيئاً على الصعيد الفكري فما قمت به كان مجرد مهارة سياسية عادية ... وقد دانت لي الشهرة العالمية في المسألة اليهودية وكأنني مروج دعائي ... وأنا ككاتب وتحديداً ككاتب مسرحي لا شئ وأقل من لا شئ، فالناس يقولون عني فقط إنني صحفي جيد ومع ذلك فأنا أشعر وأعرف أنني كنت كاتباً ذا قدرة كبيرة إلا أن هذا الكاتب لم يستنفذ قدراته، لأنه لم يلق تشجيعاً ولأنه شعر بالاشمئزاز  .

إلا أن قول هرتزل هذا يجافي
الحقيقة حسب آراء النقاد الذين يصنفون آثاره الأدبية في خانة الأدب العادي، كما ويعتقدون أن التواضع الذي يظهره هرتزل لما قام به وأنجزه في مجال السياسة هي مسألة مفاجئة وتتعارض كذلك مع ما يقوله هرتزل نفسه في مذكراته عن قدراته وملكاته الخاصة التي تضج بالغرور والأنا  و الاعتزاز المبالغ به بالذات. ولعل كتابه " الدولة اليهودية  " يشهد على ذلك !!

  
وفي
عام 1889، تزوج هرتزل من جولي نتشاور وكانت من أسرة ثرية ، و كان هرتزل يأمل أن يحل من خلالها بعض مشاكله المالية. ولكن الزواج لم يكن موفقاً بسبب ارتباط هرتزل الشديد بأمه التي غذت أحلامه ، فقد قامت نشأته على تصوُّر من ينتدب نفسه لتحقيق عظائم الأمور ، ويحلم بأنه صاحب رسالة في الحياة !!
و مما عقد الأمور، عدم حماس الزوجة للتطلعات الصهيونية لدى
زوجها. ولعل مشاكل هرتزل الجنسية لعبت دوراً في ذلك ، إذ يبدو أنه أصيب بمرض سري فتنقل في عدة مصحات للاستشفاء من هذا المرض .

  
لم يتعلم
تيودور هرتزل العبرية في حياته ولم يزر فلسطين ، ولكنه مع ذلك المؤسس الحقيقي لدولة اليهود في فلسطين . ويشبه موقعه في الفكر الصهيوني والعمل السياسي والعسكري لإقامة دولة إسرائيل موقع ماركس في الشيوعية ، فهو الذي نظم المؤتمر الصهيوني الشهير في بازل بسويسرا عام  1897، ورأس المنظمة الصهيونية العالمية التي انبثقت عن المؤتمر حتى وفاته عام  1904. .
و مات هيرتزل سنة 1904 في بلدة أولاخ بالمجر، ونقلت رفاته إلى فلسطين 
سنة 1949 و كانت العقبة الأولي أمام اليهود بعد وفاة "هرتزل" تدور حول اختيار خيلفة له. وكان هناك الصهاينة الروس (العمليون) بزعامة "مناحيم أوسشكين" أقوى المعارضين لدبلوماسية هيرتزل العلنية والسرية، وكانوا يرون أفضلية التوجه نحو السياسة العملية وعدم إضاعة الوقت في مفاوضات قبل الأوان.

وكان في المقابل الصهاينة الغربيون ويرون أن
القيادة يجب أن تكون في يدهم لقدرتهم في إنضاج العلاقة مع الغرب. وكان من الطبيعي أن يرث في المؤتمر السابع الزعامة "ماكس نوردو" وهو الوارث الطبيعي لهرتزل، غير أن نوردو" هو الذي تخلى عن الرئاسة .
وتمت
التسوية بين أنصار الصهيونية السياسية و أنصار الصهيونية العملية بأن جاءت القيادة من ستة أعضاء نصفهما من "السياسيين" ونصفهما من "العمليين" برئاسة "وولفسون"، وكان "وولفسون" من أنصار هرتزل. وكان يعمل جاهداً لتقليده وكان هرتزل مثله الأعلى، إلا أنه كان يفتقر إلى شخصية هرتزل وإلي قدراته التنظيمية."

 
  ولم يترك هيرتزل ، بعد وفاته، الكثيرين من المعجبين
به، أو حزباً ملتزماً بخطه السياسي ومتأثراً بآرائه ، ولم تحرز الصهيونية خلال عهده أي إنجاز سياسي عملي ، غير أن المؤسسات الصهيونية ، التي كان ظهوره العامل الأول في إقامتها من جهة ، ثم تبلورت نظريات وسياسات صهيونية أخرى ، سرعان ما أفرزت تنظيمات مستقلة تلتف حولها من جهة أخرى ، خلقت أوضاعاً جديدة ، وفجرت طاقات صهيونية ، لاشك أنها لم تخطر على بال هيرتزل عندما أعلن عن افتتاح مشروعه الصهيوني ، وقد نمت تلك المؤسسات ، وتطورت وتشعبت ولعبت أدواراً مهمة ، بشكل يصعب معه تصور قيام أي نشاط صهيوني بعد وفاة هيرتزل ، أو استمراره دون وجود تلك المؤسسات ، بصيغتها المختلفة.

  
وقد
اختفى أيضاً نسل هرتزل نهائياً، فكبرى بناته بولين (1890 ـ 1930) كانت مختلة عقلياً وطُلِّقت من زوجها وأصبحت صائدة للرجال ومدمنة للمخدرات. أما أخوها هانز (1891 -1930 ) الذي لم يختن طيلة حياته، مخالفة للتعاليم اليهودية، فقد أصيب بخلل نفسي واكتئاب شديد ثم تَحوَّل إلى المسيحية وانتحر يوم وفاة أخته. أما الابنة الصغرى، فقد ترددت على كثير من المصحات حتى ماتت عام 1936.
وقد نشأ ابنها ـ وحفيد هرتزل الوحيد ـ في إنجلترا
حيث غيَّر اسمه من نيومان 
( اسم ذو نكهة يهودية) إلى نورمان ( اسم ذو نكهة أنجلو ساكسـونية)، وكان يعـمل ضــابطاً في الجيش الإنجليزي. وبعد أن ترك الخدمة عُيِّن مستشاراً اقتصادياً للبعثة البريطانية في واشنطن حيث انتحر بأن ألقى بنفسه من أعلى كوبري في النهر.

    و أخيراً يمكن القول إنه على الرغم من أن هرتزل قد أسس وتزعم الحركة الصهيونية صاحبة مشروع ومؤسسة دولة إسرائيل ، التي تعتبر أهم ما حققته الصهيونية منذ تأسيسها ، رغم ذلك إلا أن هذا الأمر ما كان له ليحدث لولا توفر عوامل خارجية ليس لليهود أو لهرتزل علاقة مباشرة بها ، وهي الظروف الدولية التي استغلها اليهود وفي مقدمتهم هرتزل نفسه ، الذي لولاه فعلاً لما كانت الصهيونية .
 
ولكن في
المقابل لولا توفر الظروف الدولية التي عاصرها هرتزل لم تكن حقيقية لا من إنشاء الحركة الصهيونية ولا من إقامة دولة إسرائيل التي دعا لقيامها في كتابه " الدولة اليهودية " !!
 
ولكن هذا لا يسقط بالمطلق صفة الزعامة عن
هرتزل ، الذي لا زال أتباعه وغالبية اليهود ينظرون له باحترام شديد ، ويرجعون له الفضل في قيام دولة اليهود على أرض فلسطين .

 
ولعل قيام
النمسا باحتفال سنوي في ذكرى يوم وفاة هرتزل وقيامها مؤخراً بتسمية ميدان آخر بإسمه هو إقرار آخر من غير اليهود بعبقرية وزعامة هذا الرجل الذي ترك بصمة في التاريخ ستخلده وبدون شك ما دام هذا التاريخ يكتب بأقلام صهيونية  


ولكن ما إن يتحرر التاريخ والفكر الإنساني من سطوة الصهيونية سيجد هرتزل وأتباعه مكانهم الطبيعي بين هؤلاء الذين ارتكبوا الجرائم بحق البشرية